مخيم جباليا-المكتب الاعلامي للجان الشعبية- تصحو الطفلة جنين عبيد (8 أعوام) من نومها فجر كل يوم ليس للذهاب إلى المدرسة، بل لتوديع أبيها جمال عبيد، أمين سر حركة فتح في إقليم شمال غزة، قبل أن يتوجه للاحتجاز اليومي لدى مليشيا حماس الخارجة على القانون.
'ما بنشوف أبونا، كل يوم بيطلع الصبح بدري بيروح على السجن وبيرجع نص الليل، بيرجع واحنا نايمين،' قالت جنين، التي أطلق أبوها عليها هذا الإسم عند ولادتها إكراما لشهداء المجزرة التي ارتكبتها قوات الاحتلال عام 2002 في جنين.
لليوم الثامن والثلاثين على التوالي يتوجه جمال عبيد (41 عاما)، من مخيم جباليا، والعشرات من أبناء حركة فتح في قطاع غزة، كل يوم للاحتجاز منذ ساعات الصباح حتى ساعات متأخرة من مساء كل يوم في ظروف مفعمة بشتى أنواع وألوان التعذيب في مراكز الاحتجاز التابعة لحماس في مختلف أنحاء قطاع غزة.
جمال عبيد، أب لستة أطفال، ثلاثة أولاد وثلاث بنات، أكبرهم سعيد (15 عاما) وأصغرهم رهف التي وُلدت وهو معتقل لدى حماس العام الماضي.
قضى عبيد 5 سنوات في سجون الاحتلال الاسرائيلي بسبب نشاطه البارز كأحد أحد كوادر انتفاضة كانون 1987 في مخيم جباليا، وبعد تأسيس السلطة الوطنية عمل في جهاز الشرطة.
وعد عبيد أطفاله بنزهة عائلية على شاطئ بحر غزة بعد انتهائهم من الامتحانات المدرسية، وقد بدأت الامتحانات وانتهت ولم يستطع عبيد أن يفي بوعده لأطفاله ولا حتى أن يتابع دروسهم، ولا أن يتقدم هو لامتحانات الجامعة في جامعة القدس المفتوحة في شمال غزة بسبب اعتقاله اليومي من قبل مليشيا حماس.
وتنتظر جنين بفارغ الصبر أن يتفرغ لها أبوها كي يصطحبها إلى البحر الذي لم تره منذ أن انتهت من امتحاناتاتها المدرسية.
وقالت جنين: 'كل يوم أبوي بيقولنا بكرة إن شاء الله بآخدكم على البحر، بأصحى الصبح بدري عشان ياخدنا على البحر، بس كل يوم حماس بيحبسوه وما بياخدنا على البحر.'
واعتقلت ميليشيا حماس جمال عبيد (أبو السعيد) منذ الانقلاب حوالي مئة مرة كان أطولها مدة أربعة أشهر متواصلة، ومرات أخرى تراوحت بين اليوم والأسبوع والأسبوعين.
كما تمت مطاردة عبيد لمدة 5 أشهر اختفى فيها في أزقة المخيم ثم اختطفته حماس وتعرض للتعذيب والشبح والاهانة دون توجيه أي تهمة له سوى تهمة الانتماء لحركة فتح.
وتحاول حماس إجبار عبيد، وغيره من أبناء حركة فتح، على التوقيع على مذكرة يتعهدون فيها بعدم ممارسة أي عمل يخص حركة فتح حتى ولو كان عمل إنساني أو اجتماعي، إلا أن أبناء وكوادر الحركة متمسكون بموقفهم الرافض للتوقيع على مذكرة من هذا القبيل.
وتقضي الحاجة أم أيمن، والدة عبيد، وقتها في الدعاء لابنها أن يسلمه من بطش 'اللي ما بيخافوش من الله' ليعود سالماً لها ولأطفاله.
وقالت أم ايمن (في السبعينيات من عمرها) لـ 'وفـا' في اتصال هاتفي: 'كل يوم يخرج صباحا إلى مراكز حماس ينقبض قلبي وأشعر أنه لن يعود، أقضي اليوم في الدعاء لله أن يسلمه منهم، وعندما يعود في المساء أشعر وكأنه وُلد من جديد'.
وتمنع مليشيا حماس عبيد من الإفطار عند آذان المغرب، حيث أنه ملتزم بالصوم كل يوم اثنين وخميس، وعندما يطلب شربة ماء يُقال له 'احنا بنصرفش عليكوا، بتاكل وبتشرب في داركو، احمد الله انو انت عايش'.
يغادر عبيد مكان الاحتجاز مساء كل يوم، يلتهم وجبة يسد بها رمقه ويخلد لمهجعه ليصحو فجر اليوم الذي يليه متوجها إلى مكان الاحتجاز، وهكذا دواليك لليوم الثامن والثلاثين على التوالي.
كما عرقلت مليشيا حماس مسيرته الأكاديمية وحرمته أكثر من مرة من تقديم الامتحانات الجامعية (وأحيانا كانت تسمح له)، كما منعته من حضور زواج اثنين من أخوته حينما كان معتقلاً عندها لمدة 4 شهور حيث قضى شهر رمضان والعيدين دون أن يرى أطفاله.
ويواجه أبناء حركة فتح في الآونة الأخيرة (منذ 28/أيار 2010) حملة مكثفة يخضعون فيها للخطف والتعذيب والإهانة.
وتشن مليشيا حماس حملات اعتقال وتعذيب ضد أبناء حركة فتح في قطاع غزة بين الفينة والأخرى، منذ أن نفذت انقلابها الدموي ونفذت عصياناً مسلحاً زهقت فيه أرواح عشرات المواطنين وأصابت المئات بعاهات جسدية في يونيو 2007.
ويتم احتجاز معظم أبناء حركة فتح في زنازين ضيقة (متر مربع) دون مرافق صحية أو في كرافانات حديدية تحت الشمس في صيف غزة الملتهب، دون أن يقدموا لهم الطعام ولا الماء حتى ساعات المساء من كل يوم.
وتتعمد حماس أن لا يبيت عدد من أبناء فتح في السجون، فيُسمح لهم بالمغادرة منتصف الليل والعودة صباحا كي لا تُسجل حالة اعتقال لديهم.
وتحتجز مليشيا حماس أبناء حركة فتح وتعذبهم في شقق معزولة ومنزل سيادة الرئيس محمود عباس ومساجد ونوادي رياضية (النادي الأهلي في الشيخ رضوان، مثالا) ومقرات الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الوطنية التي استولت عليها إبان انقلابها.
وعند استشعار مليشيا حماس بخطر قصف إسرائيلي محتمل تُخلي مواقعها وتترك أبناء حركة فتح للموت المحتم.
وفي يناير 2008، استشهد القائد في حركة فتح عبد الله قشطة (27 عاما)، من مدينة رفح جنوب قطاع غزة، في قصف إسرائيلي لموقع لمليشيا حماس التي أخلت الموقع وهربت وتركت قشطة مقيد اليدين ومعصوب العينين داخل الموقع، كما رصدت مؤسسات حقوقية ووثقت عمليات تعذيب ضد أبناء الحركة ووفاة بعض المواطنين خلال التعذيب.
وعبر ذوو عبيد عن استغرابهم مما أسموه 'صمت المؤسسات الحقوقية والإعلامية' عن هذه الانتهاكات اليومية بحق ابنهم وغيره من أبناء حركة فتح.